لطالما سطّر التاريخ ابيات شعر تكرم النساء، ولطالما تغنت الألحان وتمرجحت الأنامل على الآلات ترفعاً بالنساء، فعلى رغم كل هذا وذاك ألم تسأل نفسك يوماً: لماذا لاتزال النساء تعيش في جحر مظلم موصد الأبواب ويبتلع مفتاحه الرجل…. حديثنا اليوم سيكون عن الرواية التي وُصفت بأنها احتفال بالصمود، في وجه مأساة شنيعة، واغنية حب للقلب المحطم، رواية (ألف شمس ساطعة) للكاتب الأفغاني خالد حسيني. . تُستفتح الرواية بجملة (كان عمر مريم خمس سنوات فقط حين سمعت للمرة الاولى كلمة ابن حرام) تخيل عزيزي القارئ أن تولد بصفة تسبق اسمك، تتلبس بذنب لست بمرتكبه وسيظل يلاحقك ظله حتى مماتك، تعيش وتكبر مريم مع شعور أنها أقل استحقاقاً للحب والقبول من الآخرين، في قرية تبعد عدة كيلومترات عن المدينة مع والدتها التي امتلأت قسوة وغضب حتى ساد ظلام العالم الحالك واستقر في روحها، فأعماها ذلك السواد عن طفلتها والتي ستنقله وتثقل به عاتقها، أما والدها الغائب، جليل والذي يجسد الرجل الجبان الذي يختبئ تحت قناع الرجل العادل، فالعدل بالنسبة له كانت تلك الهدايا التي يجلبها في كل زيارة و إبعاد ابنته عن أنظار المجتمع، راكلاً تلك الصورة زاهية الألوان التي رسمتها ابنته في مخيلتها عن العائلة، أو عن الأمان الذي لن تمتلكه ابداً.. الحياة كسرداب مليء بالمفاجئات، والحزن لا يرحل إلا ليفسح المجال لحزن أكبر. وتحدياتها تستمر حتى ينفث التراب على جسدك. موت والدة مريم بعد هروبها الى ذلك الملجأ الخادع، تخلي والدها عنها، تزويجها بأمر من زوجات والدها الثلاثة بعمر الخامسة عشر، لرجل يكبرها بضعف عمرها، بعيداً آلاف الكيلومترات عن تلك القرية التي ظنت أن العالم ينطوي بها، فكل هذه الامور كفيلة بأن تسلب براءة الروح وتشحذ شظايا الكره ضد العالم لكن الروح البيضاء ظلت محافظة على لونها الناصع، حتى ظنت بأن زواجها من رشيد، هو الملاذ الآمن لها، رشيد الرجل الذي أقل كلمة ممكن أن تقال عنه انه غليظ، والذي سيقضي كل تلك السنين بضرب واهانة زوجته الصغيرة، وتزداد تلك الاهانات بالتساقط على مريم بعد اجهاضها وفشل فرص الحمل، وهو ذلك السبب الذي تزوج لأجله، قد تتسائل يوماً هل قد تؤثر البيئة الناشئة للمرء على شخصيته، وماذا لو تربت مريم في احضان دافئة، هل يمكن أن تخضع لأسوأ الاحتمالات ظناً بأن ذلك هو الأمان، ربما ستجيبنا ليلى على كل تلك الاسئلة…. كأشعة شمس عند مغيب ليوم ربيعي كانت تعيش ليلى وسط عائلتها وربما كحقل مليء بالأزهار مع حب طفولتها، لابد للشمس ان تغيب والدفئ أن يزال ويحل الخريف بعد ذلك الربيع وقد تأكل النار ذلك الحقل، وفاة جميع عائلة ليلى والاختفاء الرمادي لطارق حبيب ليلى أو اخر امل لها عند القصف جراء حرب أفغانستان جعلها كغصن تُرك وسط الخراب وحيداً مقتلع الجذور، ليستغل رشيد الفرصة ويغرس ذلك الغصن في بيته، نعم لقد جلبها كزوجة ثانية على مريم، فقد كان رشيد جاراً ناقداً على الدوام لوالد ليلى وطريقة تفكيره، وما كان على ليلى في ظل الأوضاع المتدهورة في البلاد والقوانين التي شيدت ضد النساء كلياً إلا أن توافق. وكأن وجود امرأة تمتلك حلماً أو طموحاً كان كافياً لإثارة خوف مجتمع اعتاد أن يرى النساء في الصفوف الخلفية. ولهذا لم تكن القيود المفروضة على النساء مجرد قوانين، بل محاولة مستمرة لطمس شخصياتهن وأحلامهن. ربما يكون ذلك المبرر الوحيد لتلك القوانين التي تطمر أو تدفن النساء وتبيد شخصيتها كما أبادت ليلى واحلامها التي حفرتها بذهنها مع والدها الذي كان صوت التشجيع لها في كل مرة، المرأة تبقى مرأة حتى لو كان زوجها كالغول يكسر كل مافيها، فالغيرة اكتسحت قلب مريم وولدت لهيب الكراهية ضد ليلى، لكن ذلك اللهيب سيخمد يوماً بعد يوم… بعد أيام قليلة تُخبر ليلى رشيد بحقيقة خادعة، انها حامل بطفلة، لتُنبت الأمل داخله فيمسي ويصبح بالدعاء أن يكون المولود ذكراً، الا أنها تضع انثى، الذكر والأنثى وهل سيمنع التمييز بينهما فكرة ان الاثنان حقيقة واحدة وهي أنهما انسان، ام ان الذكر سيولد بقطعة نقدية ذهبية تعطيه الامتيازات في حق العيش، ازدادت إهانات رشيد لليلى والطفلة بعدها يوماً بعد يوم، لكل شيء جانب سلبي وجانباً ايجابياً آخر، والجانب الأخير كان انصهار ذلك الحاجز الجليدي بين مريم وليلى. ستتسائل ايضاً ألا يوجد هناك من يردع ذلك الرجل الممسوس بالعنف تجاه النساء؟ لكن للأسف، كانت تلك القسوة لها مبررات عديدة ومتسامحة معه في قانون الشريعة الجديدة، استغلال نقاط الضعف كانت موهبة دنيئة يمتاز بها رشيد، حيث يسعى لإبقاء ليلى تحت ظله بأخفاء سرها… كعاصفة غبارية يهب بها رشيد في كل مرة تجاه مريم وليلى ويطمس آخر ذرات من الحياة، حتى بعد ولادة ليلى لأبنه زلماي استمر الكره والعداء ضدهما، وعندما علمت ليلى بكذبته التي جعلتها تتزوج به القى رشيد ضربات أثقل من الصخر، رفضت مريم أن تُسلب منها البهجة التي اعطتها اياها ليلى ولأول مرة في حياتها تقرر مريم مصيرها بنفسها وتتوهج بلورة الشجاعة داخلها لتستجمع. كل ذلك التوهج وترمي به رشيد، ومنحت مريم ليلى الحياة التي لم تمتلكها ابداً عندما تخرج لأول مرة للحياة من رحم أمك ستخرج حراً بلا قيود أو سلاسل تلتف حول عنقك، فلا ترضى ان تكون عبداً لمن خرج حراً مثلك فقط لأنه ولد بامتيازات زائفة وضعها المجتمع واستمر بها حتى يومنا هذا، فذلك الهجوم لم يكن عنصرياً تجاه جنس محدد بقدر ما أنه تحدياً للقضاء على خرافة خالية من العدل في عالمنا هذا، الظلم لا يقتصر في بيئة محددة أو رقعة جغرافية واحدة فقط، فهو كابوس واحد لجميع نساء الارض يمنعهن من الحلم والتحليق. قد تكون أبسط حقوق المرء مسلوبة وهو الامان، وعلى سبيل ذلك، نساء السودان الاتي يواجهن واقعاً بالغ التعقيد وسط ظروف النزاع المسلح الذي يشهده البلد، فالطريق إلى الأمان ليس آمناً أبداً… ولهذا فإن الرواية تذكرنا بأن تسليط الضوء على بقعة واحدة من الظلام لا يعني أن بقية الأماكن غارقة في النور. فخلف أرقام الحروب والنزاعات والأخبار اليومية توجد قصص لأشخاص يحاولون النجاة، وقصص لنساء ما زلن ينتظرن حقاً بسيطاً يبدو بديهياً للجميع؛ أن يعشن بأمان.